google.com, pub-1214054292722785, DIRECT, f08c47fec0942fa0
 

المهدي في القرآن الكريم

الحمد لله الذي ما فرط في الكتاب من شيء ، وجعله تبيانا لكل شيء ووعد فيه الوعود ولن يخلف الله الميعاد، والصلاة والسلام على من لا ينطق عن الهوى سيدنا محمد الذي نزل عليه الكتاب ومثله معه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد والذي حوى علم الأولين والآخرين ، وعلى آله و صحابته الذين أوتوا الفهم لكتابه العزيز.

وبعد

فقد يتساءل سائل هل ورد ذكر للمهدي المنتظر في القرآن الكريم الذي ما فرط الله فيه من شيء والذي جعله الله أيضا تبيانا لكل شيء.أو هل القرآن عالج هذا الموضوع بصفة أو بأخرى؟.

والجواب يكون بنعم، لقد ورد ذكر أمر المهدي في القرآن الكريم، وعالجه بأوجه عدة , فذكر  المهدي في القرآن لم يرد بذكر اسم المهدي ولكن ورد ذكره ضمنا داخل وعود كثيرة  وعد بها الله سبحانه أمة محمد في محكم تنزيله.

وقد أثر عن الصحابة والتابعين آيات كثيرة أوّلوها بالمهدي المنتظر، تناقلها المفسرون في تفاسيرهم.

و الجدير بالذكر أن ورود ذكر المهدي المستفيض في الأحاديث النبوية ما هو إلا بيان لما أنزله الله على نبيه الكريم (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) النحل 64

كما هو الأمر في الصلاة والزكاة وغيرها  التي ترك الله بيانه للنبي صلى الله عليه وسلم  و أقول للشخص الذي يتساءل هل ورد ذكر للمهدي في القرآن: عليك أن تتساءل أولا ماذا قال الذي وكّله الله بيان كتابه وهو النبي صلى الله عليه وسلم في شأن المهدي. لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر أمته من الدخول في هدا الجحر وهو الميل النازع إلى الاكتفاء بالقرآن فقط وعدم الالتفات إلى ما يبينه من أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم. (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا ،عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ....) سنن أبي داود وهناك رجل قد يغره جهله فيخفّف من أمر المهدي لأنه لا يعرف له ذكرا في القرآن الكريم،كما هو الأمر عند من يطلقون على أنفسهم اسم القرآنيين، ومن يذهب مذهبهم من الناس، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم  للمهدي ما هو إلا بيان ما أقرّه الله سبحانه في محكم تنزيله.

و الشيعة قد أفردوا في هذه المسألة مؤلفات، ففي الجزء الخامس من كتاب معجم أحاديث الإمام المهدي  يوجد أنه قد تضمن 220 آية من القرآن الكريم متفرقة في 79 سورة ،  بقرابة 220 رواية مروية عن أئمة أهل البيت.

وأما أهل السنة والجماعة فقد أولوا كثيرا من الآيات بظهور المهدي في آخر الزمان.

وإليك بعض الآيات القرآنية التي تحمل على ظهور المهدي المبشر  به في آخر الزمان.

  • هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ

هده الآية تتكلم حول علامات الساعة الكبرى التي تعقبها الساعة ، وقد ثبت أن أول هذه الآيات هي طلوع الشمس من مغربها .

وفي جامع البيان في تأويل القرآن للطبري: إن تلك الآية التي أخبر الله جل ثناؤه أن الكافر لا ينفعه إيمانه عند مجيئها : طلوع الشمس من مغربها ... ، وما ذكر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ... ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها " ، قال : طلوع الشمس من مغربها . )

و روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً".

وقد ثبت أيضا أن المهدي هو أول آيات علامات الساعة الكبرى كما قال محمد البرزنجي في كتابه الإشاعة لأشراط الساعة : (الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة وهي كثيرة منها المهدي وهو أولها ، ...

وفي بحار الأنوار يقول علي بن أبي طالب"ان الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم ...وهو الشمس الطالعة من مغربها يظهر عند الركن والمقام يطهر الارض ويضع ميزان العدل ...) بحار الانوار ج52

إذا صح أن هذه الآية هي طلوع الشمس من مغربها ،وثبت أيضا أنها أول علامات الساعة الكبرى،إذا فما يقوله البرزنجي أن أول هده الآيات هو المهدي، لا يتعارض مع كون الشمس الطالعة من المغرب أول الآيات لقول علي بن أبي طالب أن هذه الشمس الطالعة من المغرب كناية عن المهدي.

  • هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ سورة الجمعة

في هده الآية إشارة إلى الأحاديث التي تقسم أمر هدا الدين إلى شطرين:أول، وآخر مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (مِثْل أُمَّتِي كَمَثَلِ الْغَيْث لَا يَدْرِي أَوَّله خَيْر أَوْ آخِره)  رَوَاهُ أَحْمَد أو إلى افتتاح واختتام. (بل منا ، بنا يختم الدين كما بنا يفتح...) الفتن لنعيم حماد

وفي تفسير الطبري(والآخرين في الآية معطوفة على (الأميين)، وقوله : ( وَآخَرِينَ ) جمع آخر بمعنى الغير ، والجملة معطوفة على قوله قبل ذلك ( فِي الأميين . . ) فيكون المعنى :هو - سبحانه - الذى بعث فى الأميين رسولا منهم ، كما بعثه فى آخرين منهم ).

وإذا أمعنا النظر إلى هذه الآية ،نرى أن هناك مغايرة زمنية بين الطائفتين (وفى آخرين من الأميين الذين لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون بهم . ..) الكشاف.

ويؤكد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا وَنِسَاءً مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» ثُمَّ قَرَأَ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ...)بن كثير

ويوجد أيضا تباين عرقي ومغايرة عنصرية بين الطائفتين، أي أن الآخرين غير الأميين من حيث الجنس والعرق.

(وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (رَأَيْتُنِي أَسْقِي غَنَمًا سُودًا ثُمَّ أَتْبَعْتُهَا غَنَمًا عُفْرًا أَوِّلْهَا يَا أَبَا بَكْرٍ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا السُّودُ فَالْعَرَبُ، وَأَمَّا الغفر فَالْعَجَمُ تَتْبَعُكَ بَعْدَ الْعَرَبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كَذَا أَوَّلَهَا الْمَلَكُ) يَعْنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ) تفسير القرطبي

وفي تفسير الرازي (وَآخَرِينَ عَطْفٌ عَلَى الْأُمِّيِّينَ. يَعْنِي بَعَثَ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هُمُ الْأَعَاجِمُ يَعْنُونَ بِهِمْ غَيْرَ الْعَرَبِ )

ويبين هدا التباين من حيث  الجنس ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب :( ألا وإن من آدم إلي ثلة ، وأمتي ثلة ، ولن نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان من رعاة الإبل ، ممن شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) تفسير بن كثير

 وهذا ما يستفاد من الأحاديث التي وردت في فضل الفئة المباركة الذين يظهرون في آخر الزمان والذين يضاهون الفئة الأولى من الأميين في الفضل.

وإذا كان الآخرون يتمتعون بكل ما يتمتع به الأميون، لكن في زمن غير زمن الأولين ،علمنا أن الآخرين المذكورين في الآية هم نفس الفئة التي ذكرهم النبي أنهم أمثال الصحابة أو خير منهم،وأن عيسى بن مريم سيدركهم.

(ليدركن المسيح أقواماً أنهم لمثلكم أو خير ثلاثاً، ولن يخز الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها) مصنف بن أبي شيبة

وقد ثبتت في بعض الروايات أن عيسى سيصلي خلف أميرهم وقائدهم المهدي،،ويؤكد أن هده الطائفة التي يدركهم عيسى هي الطائفة التي يقودها المهدي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة".صحيح المسلم

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يتولى قيادة الأمة في آخر الزمان هو المهدي.

(...فيبعث الله عند ذلك من يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به أول الزمان ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً...) رواه الطبراني.

إدا علمنا أن (الآخرين) يأتون في زمن غير زمن الأميين ،وعلمنا أيضا أنهم ليسوا من العرب فهمنا قوله صلى الله عليه وسلم فيمن يتولى أمر هذا الدين في آخر الزمان بأنه شبيهه في الخُلق ويختلف معه في الملامح الخَلقية. (...يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلاً.. )أخرجه أبو داود.
 و فهمنا أيضا أن الآخرين المذكورين في الآية إنما هم قوم المهدي الذين يدركهم عيسى.ويقول النووي : أن المراد ب " أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ "من يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين يدركون عيسى بن مريم عليه السلام ويرون في زمانه من الخير والبركة وانتظام كلمة الإسلام) فتح الباري

  • هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ التوبة 33

وهذه الآية وعد إلهي يتعلق بمصير الإسلام، وأنه الدين الحق الذي سيظهره على الأديان ،ويرى كثير من المفسرين أن هدا الوعد سيتحقق عند خروج المهدي ،وهذا ما يشير إليه البيان النبوي أن الدنيا لو أوشكت على الزوال بيوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيته. «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا»

 انظر [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي] [الدر المنثور للسيوطي][فتحُ البيان لأبي الطيب]

وظهور الإسلام على غيره من الملل بيد المهدي في آخر الزمان يكون بالحجة والثبات والنصر ،لأن كثيرا من الأحاديث تبين أن الإسلام سيعود إلى غربته الأولى في آخر الزمان لكنها غربة بالكيف لا بالكم،وأن الغرباء معه طائفة من أمته،وفيهم ينزل عيسى بن مريم (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ...)صحيح مسلم

وهكذا يمكن الجمع بين الأحاديث التي يدل ظاهره على الغلبة والاستيلاء،وبين الأحاديث التي تقول أن الإسلام سيعود إلى مثل حاله الأولى من الغربة ،لكن لا تكون غربة من قلة،بل تكون غربة روحية، الآخذ بدينه كالقابض على الجمرة.

قال الرازي في التفسير الكبير ج 16 ص 40: (واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة، وقد يكون بالكثرة والوفور، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء...)

وهذا هو ما يقرره الإمام محمد الصغير غاي في قصيدة "آخر الزمان" ويقول: أن ما يُروى من ظهور الإسلام على الدين كله بيد المهدي، في آخر الزمان،يقصد به الظهور بالحجة ).،لقوله صلى الله عليه وسلم «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا،وَسَيَعُودُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»سنن بن ماجه  

وأما ما يراه بعض المفسرين أن نور الله سيتم بظهور  المهدي وقيامه بالدين في آخر الزمان،وهذا هو ظهور الإسلام على الأديان كلها حيث تضمحل نهائيا، ويبقى الإسلام وحده، وأن هذا الظهور بمعنى الاستيلاء والغلبة، ينافي سنة الله في خلقه التي خلق الله الناس عليها وهي الاختلاف، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ) سورة هود 118  119 ،وينافي أيضا قوله صلى الله عليه وسلم أن الأمر لا يزداد إلا شدة ولا الدنيا إلا إدبارا. وأن عرى الإسلام ستفصم واحدة تلو الأخرى حتى لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا القرآن إلا رسمه.وأن مصير الإسلام إلى الغربة كما بدأ غريبا. لذلك يجب حمل هذه الآيات على الظهور بالحجة.ويعني أن المنهج الذي يرسمه المهدي في آخر الزمان سيكون سفينة النجاة لبر الأمان والمخرج من الفتن والحل للأزمات.

  • َمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ البقرة 114

هذه الآية داخلة ضمن الآيات التي تحمل وعودا إلهية ،وهي مصير الظالمين الدين وقفوا أمام إعلاء ذكر الله في مساجده ودلك بتخريبها ووصفهم الله تعالى بأنهم أكبر الناس ظلما, وأن الله سيجازيهم بما عملوا في الدنيا قبل الآخرة وأن خزيهم في الدنيا سيكون بيد المهدي كما دهب إلى ذلك كثير من المفسرين. 

تجد أن المفسرين اجتمعت كلمتهم على أن هذه الآية تؤول بظهور المهدي في آخر الزمان،وأن خزيهم في الحياة الدنيا سيكون بيد المهدي إذا قام.

انظر[جامع البيان في تأويل القرآن للطبرى ]و [تفسير  القرآن لابن أبي حاتم] و[الكشف والبيان للثعلبي]و [تفسير القرآن لابن كثير] و[الدر المنثور للسيوطي] و[البحر المحيط للأندلسي]و [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي]

وفي الآية دلالة أيضا على أن  مهمة المهدي يكون بدفاع إعلاء ذكر الله وإحياءه في مساجد الله،لأن من وقف دون حدوث شيء أقامه،وهدا يعني ان المهدي عند ظهوره سيقوم بإعلاء ذكر الله في مساجد الله.

والله في كتابه العزيز جعل المساجد منسوبة إليه وجعل إعلاء ذكر الله مقترنا بها،(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) البقرة 114  وقوله تعالى(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) النور 36 وقوله أيضا(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) الحج 40

ويبين الله عظمة ذكر الله في المساجد وفضله الكبير  في حديث قدسي ،أن الذين يذكرون الله في المساجد هم أهل الكرم،و أن الله يناديهم على رؤوس العباد ويدخلهم  الجنة بغير حساب، ودلك لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل يوم القيامة: " سَيعْلَمُ أهلُ الجمعِ مَنْ أهْلُ الكرَم."، فقيل:" ومَنْ أهلُ الكرم يا رسول الله؟" قال:" أهل مجالس الذكر في المساجد." رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي 

وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة الجمعة أنهم قوم من أصلاب أصلاب أصلاب رجال من صحابته،وأنهم يدخلون الجنة من غير حساب «إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا وَنِسَاءً مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» ثُمَّ قَرَأَ: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ...)بن كثير

إدا علمنا أن ( الآخرين) المذكورين في الآية هم الفئة المباركة الذين يدركهم عيسى كما بينا ذلك من قبل،وبالتالي ندرك أن سبب دخولهم الجنة بغير حساب،هو إعلاء ذكر الله في المساجد..

وفي بعض الروايات يوصف أصحاب المهدي بأن لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل وذلك بسبب إعلاء ذكر الله . بحار الانوار 52/308.

  • وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (السجدة 32)

بعض المفسرين يقولون بأن تأويل قوله تعالى: (العذاب الأكبر) هو خروج المهدي،وأن الله سيبتليهم بعذاب أخف لعلهم يرجعون ويطلبونه.

 

 انظر [عجائب التفسير للكَرْمانِي] [تفسير العز بن عبد السلام] [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي]:

وهذا هو ما يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم أن الله يطفئ بالمهدي الفتنة العمياء.ويكون دلك بشرط أن يتبعوه ، لأن العلة في إذاقتهم العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر هي أن يفيقوا عن غفلتهم قبل فوات الأوان،لأن قيام المهدي من علامات الساعة الكبرى التي تعقبها الساعة ، لذلك أمر النبي بإتيانه ولو حبوا على الثلج.

وهكذا نرى أن أمرا مهما مثل أمر المهدي الذي يتعلق بمصير هذا الدين في آخر الزمان، لا يمكن أن يغفل عنه القرآن الكريم الذي فيه علم الأولين والآخرين.     

  والمهدي وعد إلهي لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ووصفه النبي بأنه بشراها والخير الذي سيجعله الله في آخر الأمة كما جعل في أوله خير. «أُمَّتِي كَالْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» المعجم الأوسط

والقرآن مليئ بمثل هده الوعود التي لا تتحقق إلا بظهور المهدي في آخر  الزمان وذلك بإظهار دينه على الأديان كلها ،و يقول الرازي (واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة،وقد يكون بالكثرة والوفور،وقد يكون بالغلبة والاستيلاء)

ويحتاج هدا الموضوع إلى بحث مستفيض،ووقفة مطولة ، واستقراء كامل لكل ماصدر عن الرسول حول المهدي المنتظر فيما يتعلق بموضوعه الخاص والعام. لأن فيها فك لكل رموز القرآن ،وتفصيل لمجمله في هدا الموضوع...

شيخ مختار غاي
لجنة البحث والتوثيق